إتحاد عام أصحاب العمل السوداني

مسيرة تطور القطاع الخاص

    يُعتبر ظهور السودان كدولة موحدة في العهد التركي خلال الفترة 1821 – 1885 أساساً  لبروز  نشاط القطاع الخاص ، حيث تميزت تلك المرحلة بتركيبة إقتصادية مزدوجة ضمت الملكية العامة  القائمة على إنشاء المباني العامة لإدارة شئون الحكم وتقديم الخدمات ، والملكية الخاصة المتعلقة بالعمل الزراعي التقليدي.

و في عهد الدولة المهدية خلال الفترة 1885 – 1898 ، تميز نشاط القطاع  العام بجلب الزكاة والخراج لإدارة شئون الدولة الإسلامية وجلب الغنائم  المُكتسبة من المعارك التي تُديرها الدولة في فتوحاتها  الإسلامية ، بينما إنحصر نشاط القطاع الخاص في الإنتاج الزراعي والصناعات الحرفية كصناعة المراكب والمراكيب والأسلحة البيضاء وسن الفيل  .
وبمجيئ الإستعمار البريطاني  في العام  1898 ، صارت إليه مسئولية خلق النشاط الإقتصادي  فتم توجيهها نحو زراعة القطن ومد خطوط السكك الحديدية وإنشاء المصارف لإمتصاص عائدات صادر  القطن ، وسُمح  لبعض الشركات الأجنبية فقط  بالعمل التجاري  في مجال  التعدين و البترول (و لم يُسمح للوطنيين حتى لا ينصرف  المواطنون عن زراعة القطن)  . ويُعتبر مشروع الجزيرة من أكبر الشركات الخاصة  المُحركة للنشاط الإقتصادي آنذاك.
تطور الأمر إلى أكثر من ذلك في عهد الحكم الثنائي خلال الفترة 1899- 1955 حيث كان البريطانيون يحتلون القيادات العليا  بينما يُباشر المصريون الإدارة الحقلية  ، فجاء إهتمام الحكومة في القطاع العام  بحفظ الأمن والنظام وجباية الضرائب ومد خطوط السكة حديد والنقل النهري وخدمات التلغراف ، وإمتد نشاط القطاع الخاص  ليشمل جذب إستثمارات بعض الجاليات الأجنبية للإستثمار في  مجال الزراعة ( زراعة القطن – الفول السوداني -  السمسم الأحمر والأبيض ) ، صناعة الملابس ، التجارة ( تصدير الصمغ – السمسم  – سن الفيل – قرن الفرتيت – المواشي )  ، النقل البري وإقامة المدارس الأهلية . وكان لقيام غرفة السودان التجارية في العام 1908  أثره البالغ في تنظيم العمل التجاري بالقطاع  الخاص السوداني إضافة لتعيين  سودانيين في الولايات الجنوبية محل الإداريين  المصريين عقب أحداث 1924. و نسبة للتوسع  التجاري آنذاك وقيام عدة شركات التي نشأت عن حركتها التجارية عدة  نزاعات فيما بينها من جهة ، ومن جهة أخري بين المخدمين والمستخدمين ، وإدى ذلك إلى ضرورة  إنشاء إتحاد المخدمين الإستشاري في العام 1948( كما سيرد لاحقاً ) . إلا أن الوضع سرعان ما تغير إثر قرار  المناطق المقفولة  وما ترتب عنه من إغلاق الباب أمام التجار  الشماليين ( الجلابة ) وتشجيع التجار الأغريق ،الأرمن ،اليهود ، الهنود ، اليمانيين  والسوريين ، فضلاً عن إستمرار  الحكومة في إصدار القوانين التي من شأنها إعاقة  الحركة  الوطنية  التي كانت تمولها  الحركة التجارية الوطنية .
إن الأحداث  السياسية التي تميز بها عقد الثلاثينيات و الأربعينيات كانت لها بصماتها على مسار الحركة الإقتصادية  بالسودان ما بعد الإستقلال ، لاسيما القطاع الخاص . فقيام مؤتمر الخريجين في العام 1938 ومذكراته  التي أصدرها في العام 1942 والتي تضمنت عدة  بنود أهمها الأتي :-
إلغاء قانون المناطق المقفولة  لتمكين إنسياب الحركة التجارية .
رفع قيود التجارة والنقل
تأميم مشروع الجزيرة  .
إنهاء عقد الشركتين شل وباركليز ( أكبر الشركات البريطانية المهيمنة على
الإقتصاد )
جاءت تلك البنود سالفة الذكر مؤشراً لوعي وإهتمام الوطنيين بالقطاع الخاص مبكراً، حيث كان يقف سنداً مع الحركات الوطنية ضد النفوذ الإستعماري في البلاد .
عند نيل  السودان إستقلاله في العام 1956  كانت العناصر الأساسية للنشاط  الخاص  لدى الشركات البريطانية وشركات الأعمال للجاليات الأجنبية في ظل ضآلة النشاط الوطني الخاص ( للحيلولة دون دعم الحركات الوطنية الهادفة  إلى  إزالة الإستعمار ) ، و أروث ذلك ثقافةً قوية  عن القطاع العام . و نجد أنه وبالرغم من الإستثمارات الأجنبية التي جاءت إلى السودان في هذه الفترة كمشروع  أيزنهاور الأمريكي  في العام 1957 الخاص بإقامة مصنع لحوم في كوستي  وتشييد مطارات في غرب السودان لنقل اللحوم للخارج  و إتفاقية المعونة الأمريكية المقدمة في العام 1958  إلا أنها لم تكن ذات أثر جلي نسبة  للإختلافات  السياسية  حولها  . فكانت أكبر المشاريع التي تم إنجازها هي إمتداد المناقل والسكة حديد نيالا . ولإنعدام الإستقرار السياسي أيضاً جاء الإهتمام  بالقطاع الخاص على فترات متباعدة بدأت  بسن قانون الميزات الممنوحة في العام 1956.
إن الإستقرار النسبي الذي لازم الفترة  1958-1964 جاء بعدة أحداث إقتصادية وطنية هامة ساهمت في دفع النشاط الإقتصادي الخاص  منها الأتي  :-
إنشاء أول مصرف تجاري سوداني في العام 1960
إنشاء البنك الزراعي في العام 1960
 إنشاء بنك السودان في العام 1960 ( لإخضاع المصارف الأجنبية لإدارته والسيطرة على السيولة في الإقتصاد )  .
  إنشاء البنك  الصناعي في العام  1961.
هذا وقامت جملة هذه البنوك بتمويل الأنشطة التابعة لكل قطاع  مما ساهم في دعم نشاطها الإقتصادي  ، كما  كان للعمل بالخطة العشرية في عام 61/1962  أثره البالغ في تنشيط عمل القطاع الخاص  ، إذ تم تخصيص جزء من إجمالي  الإستثمارات للقطاع العام  وما تبقى  تُرك ليقوم به  القطاع الخاص .
و بإعتماد برنامج للتركيز الإقتصادي مع صندوق النقد الدولي في العام 1966 في ظل حكومة 1964-1969 وفتح  بوابة الإقتصاد للإستثمارات الأجنبية الخاصة  دون الوطنية ، فإن عدم الإستقرار السياسي صار مُحبطاً  لنشاط القطاع  الخاص . .
وفي الفترة 1969-1989 التي هيمن فيها القطاع العام على المرافق الإقتصادية والإجتماعية  بتوجيه موارد البلاد المادية والبشرية ، إرتبطت هذه الفترة بتغيرات سياسية جذرية كانت لها تبعاتها على الحركة الإقتصادية ونشاط القطاع الخاص بصورة خاصة ، إذ إعتمدت الدولة النظام الإشتراكي نظاماً سياسياً قائماً على الهيمنة على الموارد وإحتكار الأنشطة  المختلفة  و إنعدام الملكية الخاصة . فتم إصدار القرارات  المؤيدة لهذا النظام  بتأميم المؤسسات والشركات الأجنبية في عام 1970 و الذي ترتب عنه عجز القطاع الخاص  عن ممارسة نشاطه الإقتصـادي
تماماً بل وأغلقت كل المصارف والشركات الأجنبية أبوابها  بل وهاجرت روؤس  أمـوال الجاليات  لمختلف الجنسيات بحثاً عن بيئة إستثمارية آمنة ، هذا وقد شمل التأميم حتى المؤسسات الوطنية كالمصرف التجاري  وبعض الشركات السودانية العاملة في مجال التصدير ( مجموعة عثمان صالح )  .وبهذا هجر السودان كثير من رؤوس الأموال التي كانت تعمل في القطاع الخاص كما وفقد مختلف الخبرات للجاليات التي كانت تُدير هذه الأعمال في مجال التصدير والإستيراد  والتي كانت محوراً أيضاً للعلاقات التجارية الخارجية للسودان ، مما أضر وشل حركة القطاع الخاص تماماً ،   وكان هذا نتيجة طبيعية لإنعدام الثقة  في النظام السياسي والبيئة الإستثمارية  والتخوف من عملية  التأميم  فصار الدخول  في أي نشاط يتم سريعاً  كلما واتته الفرصة   .
وبإعتماد الدولة بعد ذلك النظام الرأسمالي  في العام 1978 ، فإن القطاع الخاص عاود رويداً  للعمل  والتكتل من أجل حماية حقوقه لإبتعاث الثقة والتحوصل ضد أي توقعات ناتجة عن عدم الإستقرار السياسي فتم تكوين تنظيم يضم رجال الأعمال والشركات العاملة في القطاع الخاص ، فإعترفت الدولة بوجوده وأهميته وعملت على إصدار عدة  تشريعات مُشجعة له  منها قانون التنمية وتشجيع الإستثمار الصناعي لسنة 1973 ، و 1974 ، و تلتها عُدة قوانين لتشجيع الإستثمار جاء آخرها عام 1999 تعديل عام 2000 .
وبمجيئ حكومة الإنقاذ  في العام 1989 وإتباعها النظام الإسلامي  نظاماً سياسياً لها  و النظام الرأسمالي الذي أقره الإسلام محركاً للنشاط الإقتصادي ليعمل دون قيود فأقرت مبدأ التملك الفردي  ، وإتخذت  نهج التحرير والخصخصة  سياسةً إقتصادية لها منذ العام 1992 ، التي على إثرها تم إنشاء جهاز للتصرف في مرافق القطاع العام وسوق للأوراق المالية ، وتم بيع كثير من مؤسسات الدولة  للقطاع الخاص  إعمالاً  لحركة تجارية نشطة  ودون قيود ، كما تم تعديل النظم المصرفية للعمل وفق النظام الإسلامي في تقديم التمويل اللازم لعمل القطاع الخاص  . و أطرت الدولة هذه السياسات ودعمتها من خلال وضع إستراتجية قومية شاملة  حددت فيها  دور كل قطاع  فأفردت للقطاع الخاص نسبة  72%  من  النشاط الإقتصادي  ليقوم بتنفيذه .
هذا وإنبثق من داخل غرفة  السودان التجارية  إتحاد المخدمين الإستشاري(كما ورد سابقاً )   لتنظيم عمل القطاع الخاص وخدمة  الشركات ورجال الأعمال والتحدث بإسم المُخدمين لدي السُلطات الحكومية  وحماية حقوقهم  وحقوق  المستخدمين . وقد شملت المجالات التابعة له ستة  قطاعات ، هي :
المجال التجاري
المجال الصناعي
مجال النقل
المجال الحرفي
الخدمات الإقتصادية
المجال الزراعي
فصدر  لذلك أول قانون لتنظيمات أصحاب العمل في العام  1973 ، تبِع ذلك قيام أول تجمع يحمل إسم  'إتحاد أصحاب العمل السوداني ' في عام 1977 ، بإعتباره  إتحاد مهني مستقل ذو شخصية إعتبارية ليتكون من إتحادات متخصصة  ،  تم إجراء تعديل لقانون تنظيمات العمل في عام 1992 ليتكون من الإتحادات القطاعية الأتية :-
إتحاد الغرف التجارية
إتحاد الغرف الصناعية
إتحاد الغرف الزراعية
حيث تم ضم قطاع النقل وقطاع الخدمات الإقتصادية إلي الغرفة التجارية ، بينما تم إستيعاب قطاع الصناعات الحرفية داخل قطاع الصناعة . و إستمر التطور في مجال عمل هذه الإتحادات  بما يتناسب وطبيعة عملها  فكان أن تم  إنفصال كل من قطاعي  النقل والقطاع  الحرفي  ليكونا إتحاد غرف النقل و إتحاد غرف الصناعات الصغيرة والحرفية  ، كما أثبتت تجربة إتحاد الغرف الزراعية توافق طبيعة عملها مع إتحاد المزارعين فتمت تبعيتها   إليها ، عدا بعض  الشعب .
هذا  إضافةً إلى إتحادات ولائية تقوم على نفس نسق الإتحادات القطاعية  بالولايات الستة والعشرين .
والإتحاد العام لأصحاب العمل السوداني تم تكوينه ليقف على تحقيق الأهداف الأتية :-
خلق مناخ طيب للعلاقات الودية بين طرفي الإنتاج ( العمال- أصحاب العمل ) وبين أصحاب العمل والسلطات المختصة بالدولة وبين أصحاب العمل أنفسهم ،
بغرض دفع النمو والتطور الإقتصادي .
رفع مستوى أعضائه والدفاع عن حقوقهم في الخُطط والبرامــــــج الإقتصادية
مشاركة الجهات الرسمية في الدولة في وضع وتنفيذ خُطط البرامج الإقتصادية
وضع ضوابط لأخلاقيات ممارسة المناشط الإقتصادية التي يزاولها أعضـــــــاء
التنظيمات بما يكفل حفظ حقوقهم وضمان  حماية المواطنين والمصالح العامة
النهوض بالدراسات والبحوث الإقتصادية والعلمية  ودعم أبحاث تطور الصناعة والتجارة .
العمل على وفرة الإنتاج في إطار خُطط التنمية الإقتصادية والإجتماعية .
العمل مع أجهزة الدولة في تحديث النُظم والقوانين الخاصة بأصحاب العمل
والمشاركة في مجالس التنمية والتشريع القومية .